الثلاثاء، 12 نوفمبر 2013

بلاوي البلولة

السبت 15 اغسطس
في يوم من ايام الخريف الجميلة عندنا في السودان وفي الريف حيث تتسيد الطبيعة والكلمه لها لا اسفلت ولا بلاط والارض تكسوها الاعشاب الخضراء والطين لباس الارض
السماء ملبده بالسحب والمطر تنزل برزاز جميل ومنعش ... يقرع جرس المدرسة .. مدرسة ام كتر الثانوية بنين .. يتهافت الطلاب نحو فصولهم متجاوزين مرحلة الطابور بسبب المطر ....
طلاب الصف الثاني مهدي يدخلون فصلهم يتزعمهم البلولة وجاد كريم يجلسون في مكانهم يفتح الحوار خدر جزيرة الشهير بنقل الاخبار الطازجه بعد اخراجها بصوره مشوقه :
خدر : هيي يابطان قالوا جابولكم استاذ انقليزي خواجه عديل كدا عيونه خضر مثل الكديسه .
البلوله : الله يقطعك انت المابتجيب لك خبرا زين ... يازول الكلام دا جبتو من ويين خواجه شنو كمان بالجي ام كتر ...
خدر جزيره : انا مالي انا الجبتو امس قاعد مع ابوي في الدكان اشوفلك استاذ صلاح ماشي مع الخواجه اخوي حسن الكبير مي صاحبوا سعلوا قالوا الخواجه شنو المباريك يا استاذ صلاح ... قالوا علا دا استاذ جديد جابو لينا في المدرسه يدرس اللغة الانقليزية ..
جاد كريم : عيييك هي ناقصة هو استاذ صلاح ذاتو بانقليزيه النصو عربي دا ما قعد نفهم منه يجيبولنا خواجه كمان ..
البلوله : اظنه انت يا جاد الكريم ممكن تفهم منه ماك مدمن سينما وافلام الكاوبوي حد ما في فلم مثلوه انت حضرته في السينما معقولة لاعن هسع ما تعلمت كلام الخواجات على اصوله ..
جاد الكريم : ها زول ها انت ما نصيح هو الكاوبويات ديل  قعد يتكلموا مع بعض مي كلمه واحده والباقي يتموا بالمسدسات ....
في هذه الاثناء : فجاه يعم الفصل الهدوء بعد الهرج الذي كان يسود .. ليتلفت الثلاثي نحو السبوره بعد ان كانوا متجمعين آخر الفصل ليفاجوا بدخول الاستاذ والذي هو فعلا بريطاني السحنه بشعره الاشقر وعيونه الخضر ...
البلوله :: اممممممك الجنة طلع كلامو صح دا خواجه عدييييييل علي باليمين زي بتاعين الافلام ... هي يا اخوانا دي مصيبة شنو كمان الوقعنا فيها دي
الاستاذ : good morning
الفصل : قوووود مورننيق يا استاذ
الاستاذ: thank you sit-down
البلوله: اها بدينا من اولها قال شنو الجنه دا
خدر : قالك ست داون
البلوله : ما سمعتها انا اطرش لكن يعني شنوداير شنو
خدر : يازول انت ست داون ما عرفتها انت دخلت الثانوي بواسطة ولا شنو .قالك اقعد 
البلوله : يقعد نصك والله بعدين كان ما كسرت لك سنونك المسوسات ديل جابتها لآمه انا دخلت الثانوي بواسطة ......
في هذه الاثناء يلاحظ الاستاذ الجدل الذي يحدث في آخر الصف ويتقدم نحوهم مخاطبا البلوله :
الاستاذ: Hi you stand up you have any problem
البلوله : (تبدو عليه الحيره ولايعرف ماذا يريد الاستاذ منه تحديدا لكن بصوره اليه يقف ويحاول يستخرج تعبيرا يسال به الاستاذ)...
يييس يا استاذ واط اريو داير مني ؟؟؟؟ ( افتكر نفسه اخرج جمله انجليزية مفيده وشعر بالرضا عن نفسه)
وقف الاستاذ الخواجه امام البلوله مشدوها ومندهشا من حديثه شعر بان البلوله يتحدث معه بالانجليزي لكن الزاد من حيرته انه ما فهم قصد البلوله حتى شكك في قدراته هو ذات نفسه وقال في نفسه ربما ان السودانيين متمكنين من اللغة الانجليزيه لدرجة انهم يستعملون المفردات الخاملة  غير المتداوله وذلك لاطلاعهم الواسع كما سمع عنهم ربما البلوله هذا مشبع بروايات شكسبير وكتابات برنارد شو الفلسفيه لانهم يستخدمون اللغه الانجليزيه الخامله وهو لا يدري بان البلوله لم يسمع بهما اصلا ....مثل ما نقابل نحن احد طلاب افريقية العالميه يكون من موزمبيق مثلا ويحدثك بلغه عربية فصحى جدا لاتدري بعدها ماذا يقول ...
المهم وقف الخواجه امام البلوله بعدما فاق من دهشته وبدا يساله من جديد 
الاستاذ :؟What , what do you say? . what do you mean by dire me
البلوله حيرة الخواجه اعطته ثقة في نفسه وانتفش والتفت الى اصحابه مفتخرا ومتباهيا فهو بفراسة القروي الفطريه حس ان الخواجة قبل جملته المرقعة ولكن لم يفهمها 
البلولة : هيييييع اخوكم سطح بالخواجه ذاته على باليميين نحن الانقليزي دا نتحدثه حمرة عين سااااااااااي ما خليتلكم الخواجة لمن يوطوط .
انفجر باقي الطلاب بالضحك وهم فعلا انبهروا من طلاقة وفصاحة بلوله رقما عن يقينهم التام بان كلامه ليس له علاقة بالانجليزي ولا باي لغه اخرى سوى لهجتهم المحليه وقد علق علي ود العمده ساخرا : البلوله على باليمين انت بعد كدا كان تشتغل مترجم للعمده اصلا قالوا في خواجات جايين ينقبوا البترول في حلتنا ..
اما الاستاذ فهو يعرف ان كلمة Dire تعني رهيب او ماسي او فخم لكن لم يستطيع ان يربطها بالموقف ... في حين اخينا بلوله كان يقصد الكلمة السودانية داير التي تعني تريد بالفصحى ...
الاستاذ شعر بانه داخل في متاهه لا قرار لها وهو الى الآن لم يبدا اي شئ لم يعرف نفسه ولم يعرف من الفصل اسم احد واراد ان يغير الموضوع وسال بلوله 
الاستاذ : OK you what is your name ?
البلوله كما ذكرنا شعر بطلاقة اللسان والثقة في النفس بعد ما ايقن من دهشة الخواجة من فصاحته الوهميه ... هو فهم السؤال انه الخواجه يساله عن اسمه لكن في ذات الوقت لا يريد ان يرد مثل اي تلميذ بليد ما بيعرف انجليزي لذلك حب يرد بلفسفه وقال:
بلوله : Your Account Al Balola Hamad Al Baloa
البلوله طبعا كان قاصد يقول محسوبك البلوله حمد البلولة فاستخدم عبارة .
شهق تلاميذ الفصل مره ثانية بصوت واحد ودخل الاستاذ في حيرة مره اخرى من فصاحة بلوله وشك في نفسه واخيرا فكر ينسحب ناحية السبوره قبل ما يثبت هذا البلوله انه افصح منه حتى في اللغة الانجليزية لغته الام...
البلوله متلفتا سعيدا بهذا الانتصار وهو يتلفت بفخر نحو زملائه ... والذين تصدر منهم همهمات الانبهار وعبارت من . نوع هييييع عفيت منك يا البلوله غلبتهم حتى في لغتهم .. وهو بكل ثقة معقبا ::: يازول ها نحن كان ما الدنيا ضيقة والمشغوليات علا الفرنسي ذاتو نجضموا .. علي باليمين ساكت السينما تاني كان دخلت فلم اجنبي الترجمة ذاتها ما ساعل فيها ولا بقراها ..
وقف الاستاذ امام السبوره معرفا نفسه 
الاستاذ: 


Good morning again class Mahadi I am your English teacher , I hop that you enjoying my classmate and with your co operation we can spend good days and all of you I hop to be my friends , for example my first friend in this class will be Mr, Balola ,thank you let us start our first lesson thank you again .

بعد ما خلص الاستاذ كل الفصل وبحركة واحده اتلفتوا ناحية البلولة خاصة انه اسمه ورد ضمن هذا الحديث الطويل والذي لم يفهموا منه شيئا بطبيعة الحال .. اصبح على البلوله عبقري الانجليزية الذي ظهر فجاه عليه واجب الترجمه لزملائه .... وقد قرا هذا الطلب في عيونهم .. ورغما عن انه اكثر تسطيحا منهم الى انه طرد هذا الهاجز من راسه واقنع نفسه بانه فهم خطبة الاستاذ .. بدا يهز في راسه ويتبسم اشارة الى الفهم ... واخيرا نطق خضر اها يلا يالخواجي الاسود ترجم لنا الجنة دا قال شنو ...
البلوله بكل ثقة شاف اقرب كلمة اقترنت باسمه هي for example وقرر يبني عليها ترجمته وقال :
البلوله :: هي ياجنيات الاستاذ قالكم عايزين نعمل فريق من الفصل دا نسميه فريق زامبل وقالكم البلولة حايكون الكابتن واستعدوا العصر للتمرين بس المحيرني يا بطان الجنة دا كيف عرفني انا بتاع كورة..
وقف الاستاذ امام الفصل طلب من الطلاب الهدوء حتى يدرس الدرس الاول وفعلا كتب على السبورة وقال كلام كتير وكتب وعبا السبوره بعبارات انجليزية وخط جميل ولكن لا يبدو انه احدا فهم منه شئ وحتى البلوله رغما عن هزات راسه المصطنعه وابتساماته بين الفتره والاخرى تعبيرا عن فهمه العميق وتجاوبه مع الاستاذ .. ورغما عن انخداع الاستاذ لهذه الايماءات وتركيزه على البلوله في كل مره خوفا من ان يلتقط له خطا ... عبقري اللغه الانجليزية هذا وخليفة شكسبير في السودان ..
الجميع انخدع لهذه الدراما التي يتصنعها البلوله والتي افلح في ان يداري جهله بل ويحوله الى فهم يوهم به الجميع بما فيهم الاستاذ نفسه بل اكثر من ذلك هو نفسه انخدع لهذا الوهم واكتسب ثقة في نفسه زداتها نظرات الاعتبار التي استخدمها الاستاذ كلما شطح بعبارة طويلة في الكلام القى نظره تصويبية ناحية البلولة ... لكن عدا شخص واحد كان البلولة يعمل له الف حساب بعد ان عجز ان يلحقه بسلطته كباقي الفصل ... وهو عصام سيد احمد ابن ضابط الشرطة مدير قسم الشرطة في القريه .. عصام نقل ابوه الى ام كتر قبل عام تقريبا من احدى المدن كبيرة بالسودان اخرها ود مدني لذلك كان اكثر تفتيحا من ابناء القريه جميعهم بل بعضهم صاحبه والتف حوله متجاهلين تهديدات البلوله .. مركز ابوه القانوني وشخصية عصام القوية بالاضافة الى مهارته في كرة القدم وبنيته الجسمانية وتفوقه الاكاديمي ... هذه الخلطة التي تسمى عصام سيد احمد شكلت تيارا قويا معاديا للبلوله وسببا لنكده ..ولكنه لم يستطيع ان يفعل شيئا سوى ان يكرهه في صمت ويتمنى اليوم الذي يحال فيه والد عصام للصالح العام حتى يعودوا الى بلدهم ... ولكن عصام رغما عن هذه المعطيات الكثيرة لم يستقلها .. لم يكن فتوه يضطهد زملائه كما يفعل البلوله .. لم يستقل نباهته استعراضا ومشاركا في الحصة كما يفعل بعض التلاميذ .. لكن في موقف اليوم لم يستطيع ان يمسك نفسه من الضحك المكتوم ولكن كان يعصر بطنه فقط ويمسح دموعه في كل مره كلما حدث تغيير جديد في هذا المشهد الكوميدي بالنسبة له والجادي جدا من قبل الاستاذ والتلاميذ والبلوله حتى الان .
خلصت الحصة وقرع الجرس .. ولكن قبل ما يتحرك الاستاذ تحرك خضر جزيرة بشلاقته المعهوده ::
خضر : هوي يالبلوله قله التمرين الساعة كم قبل ما يطلع الخواجه ... البلوله سريع يا البلوله ... وقبل ما يتجاوب معه البلوله ..تحدث خضر مع الاستاذ 
خضر : هيا تيتشر التراين التراين تايم وات 
الاستاذ : What what  do you say?
خضر : ياخي الواطه التملا خشمك قتلك الترين فوت بول فريق زامبل فريق زامبل ...
البلوله يادوب شعر بالورطة خاصة بعد ان انفجرت ضحكة عالية من عصام لم يستطيع كتمها في هذه المره .. بدا يهمس لخضر
البلوله : خضر ما تحشى خشمك دا وتنطم الله يقطع يومك يا مرض .
الاستاذ شعر بالبلوله يتحدث واخيرا قال ان بلوله هو من سينقذ الموقف وتحدث معه
الاستاذ : Balola can you visit my office during breakfast please?
البلوله من كلمة بريك فاست واوفيس فهم انه الاستاذ يريده ان يعدي عليه في فسحة الفطور واوما مؤكدا ذلك شكره الاستاذ وخرج ....
هنا الفصل وبطبيعة حال وبصورة متوقعة يلتفت ناحية عصام الذي ظل طيلة الحصة ميت بالضحك المكتوم .... وبلوله يعرف تماما ان عصام هو مكمن الفضيحة التي ستتفجر اليوم وتغرقه ... وسال خالد مستعجلا عصام ومبادرا وهو يجلس جوار عصام 
خالد : ما تقلنا يا عصام الحاصل شنو نحن اليوم دا كله ما فهمنا منه شئ غير انه الخواجه عاوز يعمل لنا فريق كوره يسميه فريق زامبل والبلوله هو الكابتن ... وقبل ما يبدا عصام يشرح يتدخل البلوله مقاطعا 
البلوله : قول انت ياعصام غيران مني ومتغاظ عشان ما عملوك كابتن ولا هببوه ليك ماك عامل فيها شاطر ما لك ما تكلمت مع الخواجه ..
هنا انفجر عصام ضاحكا مره ثانيه .. وقال يا اخوان اساسا الشئ المضحكني هو حكاية الفريق دي بالذات .. ياشباب الاستاذ قالكم عاوز اكون صديق ليكم وحابدا اليوم من اول شخص وحيكون مثلا هو البلولة ... وفريق زامبل دي بالانجليزي تعني مثلا وسمعتوها مليون مره واستاذ صلاح بيقولها بين كل جملتين وهي .. وراح كاتبها في السبور for example .. عم سكوت لحظة وانفجر باقي الفصل فجاه في ضحك هستيري ... عدا سعادة المترجم البلولة شعر كانه صبت في راسه مياه بارده وعكره ..
  ... بعد ان خلص استاذ الانجليزي مستر براون حصته الاولى وذهب الى المكتب لفت نظره او سمعه صوت انفجار الضحكة التي اعقبته .. وقف قليلا واراد العودة لانه شعر بانها مرتبطة بموضوع يتعلق به شخصيا ... ولكن اخيرا قرر ان يتجاوز هذه النقطة طالما انه يقضي اول يوم في بيئة جديدة عليه تماما ان يكون متوقعا لكل شيء ومهيأ له تماما .
وصل المكتب وكان الاستاذ صلاح في انتظاره يقتله الشوق والفضول ليعرف انطباع الاستاذ الاجنبي عن اول حصة يدرسها لطلاب في السودان .. واي طلاب هم أبناء قرويين يعتقدون ان اللغة الانجليزية رمزا للاستعمار والشيطان والشر كله ... 
وصل الاستاذ للمكتب بعد التحايا العاديه ساله الاستاذ صلاح عن حصته الاولى وانطباعه عن الفصل وتجاوب الطلاب واكثر الطلاب الذين لفتوا نظره ونالوا اعجابه ... استاذ صلاح عندما سال هذا السؤال توقع اجابه بديهية بان يقول له الاستاذ ان من لفت نظره هو التلميذ عصام باعتبار انه اول الفصل واكثر التلاميذ تمكنا من اللغة الانجليزية ولكن تفاجا الاستاذ صلاح عندما ذكر له الاستاذ مستر براون ان من لفت نظره ونال اعجابه هو التلميذ المسمى البلوله ... بل شطح الاستاذ في وصف بلاغته وفصاحته وتمكنه من المحسنات البديعية في اللغة الانجليزية وكما قال انه يبدو عليه قارئ نهم لروايات ومسرحيات شكبسبير لانه يستخدم تعابير غير متداوله في اللغه العاميه المستخدمه في الحديث اليومي حتى في انجلترا ..
شعر استاذ صلاح بالدوار وهل يمكن تكون هذه الصفات منطبقه على البلوله وهو يذكر انه اخر حصة درسها للبلوله ساله عن معنى كلمة signal رد البلوله بان معناها معجون. ولكن لكي يتاكد سال استاذ براون عن السبب الذي جعله يحكم هذا الحكم على البلوله . وماهي الجمل تحديدا التي نطق بها البلوله .. 
رد الاستاذ وقال طلبت منه ان يقيف ويتحدث معي رد بقول :
What are you dire me ?
كما تعرف يا استاذ صلاح انه كلمة dire هذه كلمة نادرة الاستخدام ولا يستخدمها الا الشعراء والكتاب الكبار .. وقبل ما يكمل الاستاذ شرحه انفجر الاستاذ صلاح ضاحكا لانه فهم مرمى البلوله يعني تريد مني اذا انه عنده كثير من الشطحات في خلط العبارات الانجليزية بالعربية .. ولكن قبل ما يشرح للاستاذ عن فهم البلولة سال عن الجملة الثانية رد الاستاذ وقال سالته عن اسمه قال 
Your account is al Balola Hamad Al Baloa 
هنا لم يستطيع استاذ صلاح ان يتمالك نفسه من الضحك لانه عرف ان البلولة قصد يقول (محسوبك البلوله حمد البلوله) ... والخواجه شطح بعيدا لان البلولة استبدل كلمة محسوبك باكاونت وهي تعني حساب كما نعلم .. لذلك الجملة بهرت الاستاذ واتخيلها نوع من الشعر .. ولكن استاذ صلاح دخل في حيره كيف يفهم الاستاذ عن خرمجات البلولة ويمسح هذه الصورة الجميلة التي رسمها عنه في اول انطباع .. ولذلك قرر استاذ صلاح الا يغير الخواجة هذه الصورة الجميلة التي رسمها عن البلوله .. ولذلك بكل لطف وشهامه رد للاستاذ بان البلوله فعلا مدمنا للافلام الانجليزية وربما تعلم منها الكثير ... واستدرك لكي لا يصدم به الاستاذ مستقبلا في ال( spelling) وقال لكن ادمانه للافلام وعدم مذاكرته لدروسه جعله ضعيفا في الاسبلينق والاملاء .. 
شعر استاذ براون بالرضا لهذا الشرح من استاذ صلاح ورغما عن انه لم يفهم سبب ضحكه .. وفي هذه الاثناء يشرف البلولة المكتب ... اول ما يظهر عند الباب يكتم استاذ صلاح ضحكته ويقاومها بكل جهده حتى لاتفلت منه وتشكك الاستاذ مره اخرى ..
البلولة : السلام عليكم 
استاذ صلاح وعليكم السلام 
استاذ براون : Wa aliakom asslam Balola I Want to ask what your colleges asking about, what is( fareeg zample) about which training they talked .
هنا البلولة شعر بالورطة الحقيقية خاصة بعد ما عرف معنى فريق زامبل من عصام واخذ معاها دشا باردا من الفصل .. ولكن حاول يستدرك الموضوع مع الاستاذ بذكائه الفطري الحاد التفت بسرعة الى استاذ صلاح وقال :
البلوله : يا استاذ صلاح نحن كنا عزمنا استاذ براون انه ينضم للفريق معانا لان شكله كدا رياضي وقلنا يمكن نستفيد منه في التدريب .. بس انا ما راح اقدر اقوله الكلام دا كله بالانجليزي ممكن تساعدنا ... 
عرف استاذ براون انه البلوله اراد ان يشرك استاذه القديم في الحوار .. وفعلا شرح استاذ صلاح للخواجه فكرة البلولة وتهللت اسارير الاستاذ فرحا بهذه الدعوة . ورحب بها وخاصة كما قال بان كرة القدم احدى هواياته الرئيسية وشد على يد البلولة معقبا زي ما قلت لكم في الفصل انت ستكون الصديق المثالي لي في هذه البلدة ... ابتسم البلولة بعد ان وجد كلمة فريق زامبل في مكانها الصحيح وفهمها كما هي .. وابتسم مره ثانية لانه عالج طبظته الاولى وحول فريق زامبل الى فريق حقيقي هذه المره .. وقال في نفسه خلي عصام بعد كدا شطارته تنفعه هييييع انا البلولة رواض الاسود والانجليز ......
في مكتب الاساتذه عالج استاذ صلاح الموقف مع استاذ براون معلم الانجليزي الجديد وكما استدرك البلولة خطاه المطبعي والفهمي في كلمة فوراكزامبل والتي سمعها فريق زامبل وفسرها لزملائه بكل ثقة ... لولا وجود الولد الشاطر في الفصل عصام لشرب باقي الرعاع تفسير البلولة وعاشوا عليه ... خلص الامر مع البلولة في ان حول الاستاذ الى لاعب كرة قدم فعلا وحول هزيمته الى انتصار ... ورجع بعد الحصة الاولى وبنظرة شامته نحو زميله عصام مخاطبا الطلاب ..
البلولة : هوي يا بطان لاتنسوا التمرين الليلة العصر والاستاذ مستر براون حا يتمرن معانا زي ما قتلكم ... 
شهق الطلاب باندهاش وتلفتوا نحو بعض .. معقوله فريق زامبل تحول الى فريق حقيقي ...
همس حمد الشهير بحمد لبد ،لانه يصمت دهرا طويلا ويرمي عبارته جزافا يضحك لها الفصل ، 
حمد : مي البلولة دا يمين علا يعمل كاس العالم في الاسبلنق ...
انفجر الطلاب بالضحك ... ونظرة حادة من البلولة ناحية حمد اعادته الى سكونه وقوقعته مثل ابو القدح .
قضى باقي اليوم بالحصص العاديه والتي ليست هي محورنا الان وقرع الجرس معلنا عن نهاية الحصة الاخيرة وذهب الطلاب الى بيوتهم ناقلين خبر الاستاذ الجديد الى اهلهم ... ليشع في الحلة انه المدرسة الثانوية جابوا لها مدرب اجنبي .. 
وفي العصر تحول معظم رجال الحلة شيبا وشباب لمشاهدة الاستاذ الخواجة يلعب كرة القدم مع عيالهم .. والذي حولته الاشاعات الى مدرب اجنبي ...
في المدرسة لم ينسى استاذ صلاح ان يعطي مستر براون فكرة مختصرة عن القرية كلها والتلاميذ ومن هم المميزين منهم .. ونصحة بان التلميذ الذي يمكن ان يسنده في محنته هو عصام سيد احمد اولا لانه نبيه ولغته الانجليزية قوية وثانيا لانه ابن السلطة ويمثل الامن والامان في هذه البلده ..
وفعلا تجمع الجميع في الملعب .. وبطبيعة الحال حضر الاستاذ وهو يرتدي الزي الرياضي كاملا ... والشخص الثاني الذي يرتدي زيا رياضيا هو عصام والثالث لانه لاعب كرة ايضا هو البلولة اما الباقون فكانوا يرتدون العراقي البلدي مع السروال الطويل ومعظمهم حفاة اللابس منهم كان ينتعل النعال البلاستيكي الذي يعرف بالشدة..
في الملعب حضر استاذ صلاح ايضا بزيه الرياضي وحول الملعب التف سكان القرية معظمهم حضر لمشاهدة الخواجة فقط ولكن ليس له علاقة بكرة القدم ...
انتهز استاذ صلاح الفرصة ونادى على عصام وعرفه باستاذ براون من جديد ... وابتسم مستر براون بعد ان اصبح عنده فكرة عن جميع الطلاب.
اجتمع الطلاب جميعا حول دائرة الوسط ووقف الاستاذ في النص يقدم لهم النصيحة ووقف قربه عصام يترجم لزملائه ويشاركه في الترجمة استاذ صلاح .. اما البلولة فهو لم يغامر مرة ثانية وهو ما صدق انقذ من الاولى ورقما عن انه حولها الى ماذهب اليه فعلا ولكن ليس في كل مره تسلم الجره ..
قال لهم الاستاذ ان اهم بند في الرياضة هو تخصيص الزي الرياضي والالتزام به .. ويجب على الانسان ان يفصل بين الزي الرياضي وملابس النوم وملابس العمل .. حتى لا تتداخل الامور في بعضها ,, لايمكن ان تلعب كرة قدم بملابس النوم كما انه لايمكن تنام بملابس الرياضة ويجب ان نكون ملتزمين ومنظمين ....
ولابد من عمل تدريب التسخين قبل الخوض في لعب الكره حتى لا تصاب عضلات بتشنجات وشد عضلي .. وبدا يؤدي معهم بعض تمارين التسخين وفك العضلات ..

ولكن ملخصا و بعد دهشة الجميع نجح البلولة  في ان يحول خطأه الى صواب ليصبح واحد من قليلين لهم القدرة والموهبة على ذلك ...

الأحد، 10 نوفمبر 2013

الشغالة ما شغالة

ضيق الشقق السكنية وعدم شرعيتها في غالب الحالات الا من انعم عليه ربي فرض على السودانيين في الغربة التعامل مع ملف الشغالات في حالات الضرورة القصوى .. وغالبا اما لسبب مرض او لاستقبال مولود جديد .. وكلنا تقريبا خضنا ذات التجربة ....
صديق باعتبار اني صاحب تجربة استعان بي للبحث عن شغالة بحجة انه زوجته على وشك الوضوع . وقال انه زوجته اشترطت اما الشغالة او زيارة لامها .. قلت له ما تعمل زيارة لامها .. قال لي يازول انت ما نصيح ؟ يمين اجيب لي عشرة خدامات احسن لي. وفعلا بطريقة عن فلان وعن فلان وصلنا للشغالة منتدبة لمدة شهر النفاس
وبعد شهر قابلته اها كيف معاكم الشغالة .. قال لي خلاص خارجتها .. ياخي ادبتني أدب ...... ..
كيف ؟
- قال من اول يوم جات المدام جابت لي قائمة بطلبات غريبة .. مش عارف كاري ورز بسمتي وصلصة الصويا الحلوة ومش عارف كرتونة اندومي ومكرونة ؟ قلت ليها الحاجات دي لشنو؟ .. قالت لي للشغالة انت عارف الاندونيسيين ما بياكلوا اكلنا دا فهي لازم تطبخ اكلها بنفسها .. وبعد يومين نكتشف انه الشغالة تضرب القراصة بالملوخية زي الورد لكن دي ما المشكلة .. بليل نجي من الساعة عشرة المدام كله شوية شابكانا ليك : هوسسسسس براحة ... في شنو يا ولية .. وطوا صوتكم الشغالة نايمة ... ووطوا صوت التلفزيون .. يا ولية الشغالة تنوم قبل ناس البيت ؟... ياخ حرام عليك يا خضر ياخ هي بتصحى من عشرة صباحا لعشرة بالليل واقفة على فد رجل تخدم فيكم ..قلت وكمان تصحى من النوم عشرة صباحا .؟
ما علينا جيت بالليل جاري من المكتب احضر مباراة هلال مريخ حضرت الشوط الاول بعد شوية جاتني ليك المدام قالت لي خلاص قوم كفاك .. كيف يعني كفاي الكورة ما انتهت .. قالت لي خلاص كفاك شوط واحد .. شنو هو كفاي شوط هو انا لاعب ؟.. اقول ليك الكورة ما انتهت .. ياخي الشغالة ؟ مالها كمان الشغالة ومال الكورة ؟.. الشغالة متابعة المسلسل التركي وقالت عاوزة تحضر الحلقة ... يا سلام؟ وانا امشي وين ؟..... انت امشي نوم خلاص بكرة وراك شغل .. وشغالتك دي جاية إجازة ولا جاية لعرس اخوها..... ياخ حرام عليك البت تخدم فينا من الصباح خليها ترفه شوية .. خلي عندك انسانية كمان ... طبعا ماقلت غير اوففففف ورحت نمت ارجف بالزعل ... لكن دا كله هين ..
في شنو تاني كمان بعد كدا ..؟
-جيت يوم لقيت ليك الغدا شكله غريب كدا مكرونة مقطع فيها فلفلية خضراء ودجاج وريحتها غريبة كدا وسلطة فيها جبنة وزيتون .. يا ولية دا شنو دا كمان وين الغدا ؟
-القدامك دا ما غدا ؟
-غدا شنو انا ما فاهم أي حاجة في الصينية دي وبعدين ريحته غريبة كدا زي سوق البطحا ..
- الشغالة قالت انا ضقت اكلكم لازم انتو كمان تضوقوا اكلنا تصور الليلة سوت الغدا دا كله براها شفت طيبة البت دي كيف ؟
- يا ولية يعني كان في زول عزمها قال ليها ضوقي اكلنا .. بعدين هي قعد تضوقوا بس ولا قعد تلهطوا لهط وتتشهى كمان ( ماما انت لازم تسوي لينا بامية مفروكة بقراسة ) )..
- اها يا ابو الشباب اتخارجت منها كيف ..
- يا زول صبرت اتحملت ليك الشهر دا كدا بكل بلاويه .. آخر الشهر جبت ليها راتبها قلت ليها يلا حضري شنطتك نرجعك لاهلك .. بلا اشوفها ليك انفجرت بالبكا والشفع وامهم كلهم بقوا يبكوا معاها ..وقالت هي ( بابا انا ما يبقى يروح منكم انا ممكن في سوي خصم كمان ..
المدام : عليك الله يا خضر الشفع اتعلقوا بيها خليها تكمل معانا ..
- تكمل شنو كمان هو فضل شي ما كملتو لسع ؟ البت لقت سكن المضيفات دا تروح كيف تاني .. خلي تمشي للناس البيخلوها تغسل السجاد وتكويه عشان تآمن ... .
- قالت بتعمل لينا خصم..
- -حتى لو تدينا قروش ما دايرنها
المهم جملة مني وجملة من المدام حسيت ليك بأن المدام متمسكة بيها بشدة وعايزة تدبسها فيني للابد .. وقلت يا خضر لازم تشغل رأسك...اخيرا اهتديت لفكرة شيطانية يمين طيرتها ليك في نفس اليوم .. .
- أها عملت شنو يا الشقي ؟
يازول قلت الشغالة دي امرقها من البيت دا بالباب البجيب الريح زاتو .
مش المثل بيقول الباب البجيب الريح سده واستريح ؟ قلت انا افتحه وزي ما تجي تجي ؟
-كيف يعني ؟
- قلت للمدام ياخ البت دي وجودها ما شرعي في البيت وانت شايفاها حايمة وسطنا مرة ببنطلون الجينز ومرة بالبرامودا وشعرها ناعم نازل في ظهرها ماشاء الله يعني ما نسحرها وجسمها كمان .. قبل ما اكمل كلامي اشوف ليك المدام وشها اتغير في الاول وفجأة صرخت فيها قائلة ( يا بت ياساندي لمي هدومك سريع في الشنطة ارح نوديك لاختك الليلة دي ما تبيتي معانا ....
- والله انت مسلط ومصيبة كمان لكن ما قلت لي الفكرة الشيطانية دي جبتها من وين .
من حريم السلطان ياخ ..

..
- لاحظت المدام المسلسل الوحيد المتابعاه هو حريم السلطان وهاريها بالغيظ قالت الواحدة يجيبوها خدامة الليلة بعد يومين تبقى سلطانة وتفتري على السلطانة الأصلية ... ..


****************************************************

السبت، 9 نوفمبر 2013

محطة النقل النهري

ونحن على وشك التخرج من الجامعة طلب منا اجراء فترة تدريبية في احدى المؤسسات الاقتصادية الكبيرة تمهيدا لاعداد مشروع التخرج . وقد اخترت انا ضمن شلة من الزملاء بنك السودان ( اي البنك المركزي ) مما هو معروف اقتصاديا انه في اي دولة يكون البنك المركزي بمثابة القلب لجسم الانسان . اذا تعطل هو تعطلت جميع المصالح الاخرى . 
وبحكم مسكننا بالخرطوم بحري اخترت انا وسيلة مواصلات لعبر نهر النيل الازرق وهي عبارة عن بص النقل النهري والتي تعبر النيل بالقرب من جزيرة توتي . وقد كان مشوارا جميلا عبر النيل بصورة دائمة مما جعل الاجازة نفسها ممتعة وعبارة عن سياحة خلال محطة النقل النهري . 
وقد كانت العبارة تسير بمحازاة جزيرة توتي لكن من مسافة ليست بالقريبة بحيث تتيح لك رؤية الاشياء المتحركة ولكن دون التمعن في تفاصيلها . 
وفي مره من المرات لفت نظر الناس الي الجزيرة احد الركاب مشيرا الى ان هنالك تمساح يتحرك في جزيرة توتي . وبدا تركيز الناس والمغالطات دا تمساح لا لا دا تيس لا لا في تيس لونه اخضر . ويستمر الغلاظ الى ان تخلص الرحلة . 
انا وجدتها ماده لذيذه في اليوم الثاني كلما لاحظت ان ركاب المركب صامتين سخنتهم بنفس الموضوع . 
( يا اخوانا انتو الشي البتحرك داك ما هو تمساح ؟؟؟) ويبدا الموال من جديد ( تمساح ما تسماح غنماية تيس لا تور وووووو) يضج المركب بالمغالطات الى ان تخلص الرحلة . 
وطبعا ليس نفس الركاب يتكررون في كل يوم لذلك انا بسهولة كنت افتح موضوع التمساح كل يوم لاكسر به حاجز الصمت . 
الا ان جاء يوم وحصل تحول جزئي في الموضع . اذ انا ابدا بجملتي المعهوده . يا اخوانا داك تمساح ولا شنو 
يبدا الغلاط في تمساح معزه لا تيس وتتكرر الاسطوانة . الا ان قطع الاسطوانة احد القرويين والذي يبدو من لهجته انه من اهل الشمال وقال هو تمساح وانتايي كمان يعني ما هو تمساح ضكر . 
وهنا تحول النقاش الى انثى ذكر لا ذكر لا انثى عرفته كيف .... يا اخوان انتو ما بتعرفو التماسيح ولا شنو التمساح الانتاية تكون بطنه صفراء . 
ويضج الجميع مره اخرى با نثى لا ذكر ووووو 
نسأل الله ان تدب الحياة من جديد في النقل النهري ويعود لترقص بواخره على ضفاف النيل الخالد ..

محطة القطار

ونحن طلبة في المرحلة الابتدائية ذهبنا انا وابن خالتي لنقضي العطلة المدرسية مع جدنا عليه رحمة الله بحي العمال بمدينة كسلا . وقد كان سائق قطار . وقد كان كثير السفر بحكم عمله لايرجع من السفر ويقضي يوما الا ويستعد لسفرة اخرى . وفي احد اوباته اراد ان يكرمنا انا وابن خالتي وطلب منا مرافقته حتى المحطة . 
اذا المحطة السادسة كانت محطة سكة حديد كسلا . 
وفي ذلك اليوم رافقنا جدنا واركبنا معه في الديزل . والشي المدهش في الديزل الذي يجر القطار انه عباره عن مكينة عملاقة باستشناء قمرتي القيادة وكل الباقي مكينة مع وجود ممر ضيق بالجنبين لاستخدام الفنيين . ودخلنا في جولة داخل الديزل وشاهدنا عملية التدوير وكلما ادار شيئا ارتفع الصوت . ونحن لم نكن منزعجين بل سعداء جدا بهذا النصر . لانه ملايين الناس ركبوا القطار لكن كم منهم من ركب الديزل نفسه . هذا الشعور جعلنا في مصاف الاصفياء . 
وكذلك اكرمنا بشي آخر اذا رافقنا جدنا ركوبا وهو يناور بنا بالديزل . ومصطلح المناورة في السكة حديد يعني تجميع العربات في خط واحد والتي سيجرها الديزل حتى تكون مايعرف بالقطار . وقد كان القطار مخصص للبضاعة وكانت العربات التي سيجرها مفرقة هنا وهنالك . ونحن كنا سعداء بالهزة التي تحدث كلما قطر الديزل احدى العربات . وهكذا حتى اخيرا ودعنا جدنا وطلب منا النزول لنكتشف بان القطار اصبح طويلا جدا . 
وتحرك جدي بالقطار نحو بقيته ملوحا لنا بالوداع . 
بعد ان اختفى القطار عن الانظار كان ابن خالتي ذلك مميز بالشقاوة . وهو من المفترض ان نرجع البيت الا هو انه رفض . وبعد ذلك قرر ان نواصل عملية الشعلقة في العربات المتحركة هنا وهنالك . وكنا نقف على سلالم عربات المناورة حتى اذا قاربت الدخول من الورشة قفذنا منها وجرينا نحو اخرى . 
في هذه اللحظة لم ندري باننا كنا مراقبين من احد العمال او العطشجية والذي بدوره ابلغ شرطة السكة حديد . كما نعلم ان السكة حديد كانت دولة قائمة بذاتها اذ لها شرطة خاصة واطباء ومهندسين ومراكز صحية . 
لحظات ونجد ان البوليس يقبض علينا ويوسعنا ضربا محاولا ان يخرج منا باقرار عن ذوينا ومن اتى بنا اذ عرفوا باننا لسنا من ابناء حي السكة حديد . ونحن فضلنا جلدهم على الاعتراف باسم جدنا لانه كان رجلا صعب جدا يمكن في معلومه كهذه تاخذ فيها اعدام . لذلك صمتنا وصمدنا حتى اخذنا ما فيه النصيب وجرينا نحو البيت كل منا يلوم الآخر . انا اقول له بعد ودعنا جدي قلت لك نذهب للبيت . وهو يقول لو كنت انت سريع لما قبض علينا. 
طرأت في ذهني هذه الذكرى وانا اذكر آخر زيارة لكسلا في العام الماضي رايت كيف انهارت دولة السكة حديد في السودان ووزعت بيوتها الفخمة والفارهة على اساتذة جامعة كسلا . وخمد هدير القطارة وصفاراتهم التي كانت تطربنا ولا تزعجنا . 
نسال الله ان يعيد الحياة لمحطات سكك الحديد بالسودان ببيوتها الطوبية المميزة وقطاطيها المبنية من الطوب والتي لم نشاهد لها مثيل في جميع انحاء العالم .

محطة العمدة

محطة مكتظة خلال النهار الحار والشمس كانها تأبى ان تفارق كبد السماء بصورة تكاد لا تترك ظل لشئ يتخطى تحته . اكتظت المظلة بالمنتظرين وطلاب المدارس والذين ينتظرون البصات التي تقلهم الى ذويهم . حتى اخيرا وكعادة شهامة السودانيين تنازل الرجال عن ظل المظلة الشحيح للنساء والبنات . واكتفى الموظفون بوضع الجرائد على رؤوسهم والطلاب بوضع الشنط . اما النساء والطالبات فانحشرن تحت المظلة في زحمة وهن يستجدين الظل . والكل يترقب وينظر في اتجاه السوق في انتظار ما يلوح في الافق من حافلات او وبصات . 
اما اصحاب السيارات الصغيرة من طراز امجاد وركشات فهم يتجولون وسط المنتظرين لا قتناص المستسلمين منهم وهم يهمسون ويلوحون بمفاتيحهم بصورة مغرية وهم يعرضون بضاعتهم المسجاة على الطريق . 
( يا ابوالشباب امجاد كيف لغاية بحري مكيفة ومحمد الامين استريو ) وواحد آخر ( يا اخي ركشة وانت والشباب المعاكم ديل يعني عاجبكم الحر دا كلها خمسماية زيادة عن الحافلة المنتظرنها بالساعات دي ) 
اصحاب الركشات والامجاد يستعرضون في سياراتهم والمنتظرون يتجنبون النظر اليهم والاستماع الى اغراءاتهم ربما خوفا من الاستسلام لهم . لانه حتما مبلغا زياده سيكون على حساب شئ آخر اما كيس الخبز او بطيخة وعد بها الابناء في ذلك اليوم . 
ورغما عن ان اصحاب الامجاد والركشات تنازلوا عن السعر حتى كاد يلامس سعر الحافلات الا انهم لم يجدوا اي تنازل من المنتظرين . الى ان جاءت الهزه في لحظة من سائق تاكسي حاقد على كل الاطراف . فهو حاقد على المواطنين لانهم اذا توفر لديهم المال تركوا الحافلة وبحثوا عن الامجاد . واذا كان المشوار قريب بحثوا عن الركشات . اصبح التاكسي لا مكان له من الاعراب . جاء صاحب التاكسي ورمى قنبلته على الجميع . 

( انت يا اخوان منتظرين شنو ما سمعتو انه ناس الحافلات والبصات عاملين اضراب ) 

بعد هذه الصاعقة وجم الجميع وبسرعة تصرف اصحاب الامجاد والركشات كل واحد جرى نحو سيارته وفعلا بدا الركاب في مزاحمة الامجاد والركشات بل ذهب جمع منهم وبداو في مساومة صاحب التاكسي . 
اصحاب الامجاد وبكل راس مرفوع عادوا الى سعرهم الاول ورفضوا التنازل عنه بصورة سادية اشبه بالانتقام . بل بعضهم تمادى في تعذيب المواطنين . وبدا الطلاب يبحثون في شنطهم عساهم يعثرون على بواقي مبلغ منسي يفك كربتهم . 
المنتظرين وهم يعتريهم الاحباط والسائقين تسودهم روح السادية والانتقام وبين هذا الصراع الصامت والزحمات التي اصقلها حر ذلك اليوم اذا يقطع الصمت صوت سيارة ضخمة ومساعد صغير اطرب الجمع ذلك اليوم في صوت فاق طربا حتى غناء محمد الامين 
( بحري بحري بحري بحري بحري بحري ) 
هرع الجميع نحو البص العملاق والطلاب والطالبات فرحين بهذا الاتقاذ واصحاب الركشات والامجاد ينظرون الى الفرصة التي لم يحسنون استغلالها تتبخر بين ايديهم كما جاءت وصاحب التاكسي ينسحب شامتا نحو محطة اخري يحبطها باشاعة ويحبط الامجاد والركشات بتكذيبها

محطة المظلة

دون سائر خلق الله كان يعجبه الجو الحار المشمس وكان يسره منظر الناس وهم يتصببون عرقا ويمسحون عرقهم بمناديل لم تفلح خامة البشاكير التي صنعت منها في تجفيف عرقهم . وكانت تطربه آهاتهم والمهم من الحر . من هو ذلك الشخص الغريب انه الطاهر الذي جعل راس ماله جركانة زيت من البلاستيك بعد ان وسع فوهتها وغسلها نظيف كان كل صباح يملاها بالماء وعليها نصف لوح من الثلج . ذاهبا الى محطة البصات ومعه كوزين من الالمونيوم وقد كان حريصا جدا على نظافتهم . بحيث يعبيهم بالماء البارد مما يجعل شكل الكوز مغري وهو يغلفه الندى . 
رغما ان بضاعته هي الماء الى انه اكتسب خبرة في عرضها كما اكتسب خبرة في اختيار زبائنة . فهو يختار واحدا من الناس بيعينة لصفات هو عرفها بان هذا الشخص اهلكه العطش وهو حتما سيشتري كوب الماء باي ثمن . ونادرا ما كان يخيب ظنه . عطلته الوحيدة كانت في رمضان . حيث الناس صيام نهارا ومطخمين ليلا . لذلك في رمضان اعتاد ان يجمع غلته ويشترى مستلزمات اسرته ويسافر الى القرية ويعود بعد العيد . 
وقد كان عدوه الوحيد هو السحاب والغيم او الشتاء بصورة عامة او كل ما يساهم في تبريد الجو . فهو لم يكن يقضي فترة الشتاء في بيات شتوي ولكن كان يحاول ان يجد مهنة بديلة ومؤقته . احيانا يفترش مسطبة للفواكه والخضر . 
الى ان جاء يوم في يوم كان من ايامه المحببة اذا تجاوزت درجة الحرارة الخمس واربعون درجة . هذا كان المعلن منها ولكن بالتاكيد ماخفي اعظم . في ذلك اليوم خلصت جركانته خمس مرات خلال ساعة واحدة 
وفي المره الخامسة وقفت في المحطة سياره فارهه ومظللة . ونزل الزجاج وناداه صاحب السياره . وطلب منه ان يسقي كل ابناءه بالسياره . 
بينما كان هو يوزع الماء على ابناء صاحب السياره . كان صاحب السيارة يستخرج له في الفلوس . لاحظ ان صاحب السيارة اطال البحث في جيوبه . ويلتفت ناحية زوجته( فتحية ما معاك قروش للراجل ده الظاهر انا جزلاني ناسيه في البيت ) تفتح زوجته المحفظة ولا تجد فيها شيئا . وشعر الجميع بالخجل وخاف الرجل ان يتهمهم الساقى بالتحايل . ولكن شاهدوا باعجاب واندهاش ان الرجل بكل تهذيب جمع كيزانه . وعباره اثارة دهشتهم اكثر ( والله ما نحن البلد البتتباع فيها الموية نحن الله اكرمنا بنيل طويل وعريض ودايم ولم يطالبنا بثمنه لكن المعايش جبارة وضاقت علينا السبل وما لقينا طريق نكسب منه رزقنا غير دا . كان ما دفعتو هو حققكم ومره ثانية نتلاقى ) 
وقف الرجل وزوجته فترة طويلة منبهرين ومندهشين من شلال الحكم التي تتدفق من هذا الرجل البسيط . وحركو سيارتهم فعلا بعد ان شكروه وبعد خمس دقايق . بعود الرجل وينادي على الطاهر ويمنحه مبلغا كبيرا من المال (يا اخ الطاهر انت الزيك يستحق مهنة احسن انشاء الله المبلغ ده وهو خمس ملايين تكون ليك راس مال لمشرع احسن من بيع الماء وان كانت هي مهنة الساقى ايضا مهنة كريمة )

محطة الدومة

اعتادت خديجة ان تستصحب والدتها الى محطة البصات لبيع الفول والتسالي وكانت تساعدها في مناولة اصحاب السيارات وتناول قيمة مشترياتهم . وفي آخر اليوم لا تبخل عليها امها بحفنة من المال ؟ حيث كانت تدخره خديجة في مكان آمن ولا تصرف منه شي لنفسها رغبة منها في امر اسرته هي . ولم تلومها امها او تسالها لماذا لا تشتري الحلوى والمشروبات الغازية مثل اقرانها من الاطفال . بل كانت سعيدة بهذا الادخار . الى ان جاء يوم واستخرجت خديجة مدخراتها مخبره والدتها بمشروعها وهي انها جمعت راس المال الذي يجعلها مستغلة عن امها . حيث تكون لها قفتها وبضاعتها الخاصة . فرحت الام بهذا التفكير وذهبت معها الى السوق حيث اشترين مستلزمات بضاعة خديجة . وسهرت خديجة ذلك اليوم في قلي وتجهيز مبيعاتها . وفي صباح اليوم التالي بكرت متحمسة بل سبقت امها في الخروج ووضعت قفتها في راسها مزهوة بحملها الثقيل والذي جعلها في مصاف الكبار . ونادت على امها مستعجلة لها على الخروج ومتحمسة هي للعمل . 
وقد كان ذلك اليوم جميلا ومغيما والارض مبللة بمياه الامطار . وكان بين بيت خديجة والشارع خور للمطر امتلاء في ذلك اليوم بالمياه . وخديجة بعد ان وضعت قفتها في راسها وهي تعبر الخور عبر حجاره وضعها ابناء الحي تزل قدمها في الطين وتسقط خديجة والقفة بحملها على الخور . وهي لم تقم من سقطتها رفعت راسها وهي تبكي محبطة لتجد حبيبات الفول السوداني والتسالي من بذور البطيخ تطفح سابحة مبتعده وكانها تلوح لها مودعة ولسان حالها يقول مالك فينا نصيب ياخديجة .