الجمعة، 5 ديسمبر 2014

الحيطة والحجر (1)

اعتاد أهل الحارة الودودين على وجوده بينهم .. لم يتوقفوا كثيرا أو يستقصوا من أين أتى .. عبد الله صاحب الدكان جاء ليفتح دكانه ذات صباح كالمعهود وجده نائما تحت المظلة إمام باب دكانه ,, أيقظه مستنكرا وجوده .. لكن ملابسه الرثة وحالته البالية وضحكته البلهاء وهمهمته غير المفهومة حركت فيه عاطفة الشفقة .. فتعامل معه برفق لم ينهره أو يطرده ..
- يا زول عايز شنو هنا نايم في المظلة مالك.؟
- حجر جعان عايز أكل يومين ما أكل حاجة .
تحدثه عن نفسه كأنه يتحدث عن شخص آخر جعلت حاج عبد الله يعتقد بأنه شخص درويش مما زاد عاطفته ناحيته اكثر فطمأنه وانزل العنقريب ( السرير الخشبي ) وهيئه له طالبا منه الانتظار .. دخل الدكان متحمسا لاطعام هذا المسكين .ز كما درج أهل الريف على الحماس لإطعام هؤلاء المساكين والدراويش متفائلين بوجودهم ومعتقدين في أنهم أهل الله الذين سيرزقون بسببهم . أحضر بضع رغيفات من صندوق الخبز وكاسين زبادي من الثلاجة وحلاوة طحينية وضعها على ورقة جريدة وفرشها أمام حجر . والذي أنقض على الأكل بنهم كأنه لم يأكل منذ شهر .. قضى على الثلاث رغيفات وكأسي الزبادي أما حلاوة الطحينية كأد ان يأكلها بورقتها .. لولا أن لحقه حاج عبد الله بكأسي زبادي أخريات وثلاث رغيفات .ز بل جمع له كل فتات الخبز والرغيف التالف ووضعه امامه .. ليقضي عليها كلها ويرفع رأسه كأنه يقول هل من مزيد .. لكن هذه المره مداه بزجاجة حليب وأخرى بيبسي .. شربهما حجر ..وتجشأ بصوت غريب وعالي كأنه عادم سيارة قديمة تم تشغيلها بعد ركنها زمن طويل .. رفع حجر رأسه مبتسما لعبد الله تعبيرا عن الامتنان .. مع انبلاج الفجر ظهر شكله الغريب .. جثته الضخمة وشعره الكثيف ألأجعد الذي يتخلله الشيب وأسنانه القبيحة والمتسخة والمتفلجة تشبه انابيب الغاز المصطفة في أماكن التعبئه .. ملابسه البالية ..التي تكشف نصف صدره بشعره الشائب المتناثر كشرك العصافير .
حاول حاج عبد الله أن يتحرى عنه ويحاوره .
- يا زول أنت جايي من وين ؟ واهلك وين .
رفع حجر رأسه ولازالت الابتسامة البلهاء مرسومه على وجهه ورد .
- الله في .
- أنت أنت أقول ليك جايي من وين .
- الله حي .
- عايز تشتغل ؟أشغلك معاي ؟
هذه المرة أجاب بإمائه من رأسه ..
دخل عبد الله داخل دكانه وأحضر له مكنسة طويلة بعصا وطلب منه أن يكنس المنطقة أمام الدكان ..
نزل حجر على المنطقة تنظيفا بطاقة وقوة غريبة جعلت عبد الله يراقبه باندهاش .. وخلال ساعة وقبل أن يحضر أي من الزبائن .. كانت الساحة امام الدكان شكلها مختلف تماما .. كوم أوساخ في ثلاث كيمان ضخمة ..
وجاء مستأذنا : حجر عاوز يولع نار ..
فهم عبد الله مقصده وأعطاه الكبريت وذهب أشعل الكيمان الثلاثة ..
ومرة ثانية جاء وقال حجر عاوز يرش بالموية ..
فهم مقصده مرة أخرى و اخرج له خرطوم المياه وأوصله بالحنفية داخل الدكان . وبعد ساعة أخرى تغيرت واجهة الدكان تماما .. وشعر عبد الله أنه أمام كنز خام وليس بني آدم عادي .. هذه الدهشة انتقلت لاهل الحي تباعا وهم يرون ساحة الدكان نظيفة ومرشوشة وهذه الشخص الغريب يجلس امام الدكان يترنم بأنغام غريبة وتارة يضحك وهو ممسك بخرطوم المياه يرش وتارة ينظف ..
لكن من هو هذا الرجل الغريب .. سؤال طاف في أذهان أهل الحي وظنوا سره عند عبد الله سيد الدكان .. ولكن لا يدرون بأنه يحمل نفس الاستفهام ..
- حجر عايز أكل تاني
تلفت عبد الله حوله من اين له بأكل بعد أن قضى هذا المخلوق على آخر رغيفات من باقي الأمس .. اخيرا قال في نفسه الجهد الذي يذله يستاهل الأكل ولكن هل يأكل البسكويت وهو الشئ الوحيد الباقي و قابل للأكل مباشرة . ومداه بعدة صناديق من البسكويت .. قرضها في دقيقة وظل ينتظر عند باب الدكان ولسان حاله يقول هل من مزيد .
عد اليوم ألاول لحاج حجر في أطار دكان عبد الله .. ومنذ اليوم أول لوجوده ظهرت بصمته أولا بوجوده هو شخصيا . كشخص غريب ضخم الجثة كث الشعر متسخ الملابس ضخم القدمين ينتعل نعالا باليا سحقه بالمشي وكاد أن يساويه بالأرض .. تبين منه قدماه المشققتين اللتان تشبهان الحجر تماما وتجسدان اسمه .. لذلك أصبح أهل الحارة أمام دهشة مزدوجة وجوده وبصمته في تنظيف المحل .الذي لم يعتادوا عليه إلا في الأعياد أو قبل مقدم شهر رمضان المعظم حيث يقوم حاج عبد الله مع أولاده وشباب الحي بتنظيفه ورشه بالماء استعدادا لمكان الصلاة والإفطار الجماعي لأهل الحي .. وما يجدر ذكره أن دكان عبد الله ملتصق ببيته أي الدكان جزء من البيت كما هو معهود في الحواري السودانية .
وبطبع أهل الريف أنهم غير فضوليين قد يسألوا عن شئ غريب بطبيعة الحال لكنهم لا يلحون في الأسئلة من أول سؤال سألوا عن حجر ( مين دا يا حاج عبدالله ) .( زول مسكين من أهل الله أسمه حجر .. قال عايز شغل وشغلته ).. أجابة كافية بالنسبة لهم فضلا عن انه لا يملك غيرها ..رغما عن الاستفهام الذي زرع في رأسه .. لكن لا شكوك ولا ظنون في أحد قد يكون مجنونا مجرما متصنعا فاقد الذاكرة . كل هذه المخاوف والهواجس التي تغلق أهل المدن وتزعجهم هم لا تعنيهم في شئ . فهم في عرفهم أن المجرم لا يصبح مجرما الا أذا ارتكب جريمة إمامهم يعرفونها أو يعرفه أحدهم على الأقل .. قمة التصالح مع النفس ومع الآخرين هي رمز السلام في الريف .
عد نهار اليوم في دكان عبد الله وحاج حجر يعمل بهمة يرتب جوالات الفحم وحزم الحطب وينظف تحتها . لا يتوقف الا عندما يحن عليه حاج عبد الله ويقدم له شئ ليأكله او يشربه .. توجد شجرة نيم ضخمة أمام الدكان اعتاد عبد الله أن يضع في ظلها العتقريب ( السرير الخشبي ) للمقيل وانتظار الزبائن ..هذه المرة أحضر من بيته عنقريبا آخر لحجر حتى يرتاح فيه .. لكن حجر لم يستجيب للدعوة يبدو انه قرر أن يحرق كل السعرات الحرارية الهائلة التي تناولها منذ مقدمه ..
الأطفال الصغار المرسلين للدكان كانوا يقفون يتفرجون فيه قليلا وبعضهم ينظر له برعب وآخرين يسخرون من شكله . لكن هو يظل منهمكا في عمله غير مشغول بأحد ولا حتى يعيرهم نظرة ..
عبد الله قلبه أنفتح له على للآخر لحجر دون تحفظ .ز نصف النهار فتح له باب ديوانه لاستخدام الحمام ..
قالت له زوجته كنت بقول ليك كيف زول غريب تخليه يدخل علينا البيت لكن سبحان الله من شفته كدا قلبه انشرح لي والخوف طار مني .
قال لها ديل أهل الله يا حاجة حبهم يخش القلب غصبا عنك .
عدت ثلاثة أيام على حجر في موقعه الجديد وبدأ الناس يعتادون عليه داخلا وخارجا بين بيت عبد الله ودكانه كأنه أحد أقاربه حاملا النفايات أو حزم الحطب .. لايتحدث مع أحد الا ردا على سؤال . وحتى ردوده مبهمه لا يفهم منها أحد شئ .. مثل ( الحمد لله .. الله كريم .. الله في .. الله حي ) كلها تنم عن شخص تعرض لظلم ما وكاظم غيظا عظيما .. وكذلك ممكن تعني شخص متخلف عقليا لايملك مفردات كثيرة تجعله يسترسل في الحديث .. أو أو الى آخره .. إذ أن كل الاحتمالات الاخرى واردة طالما أنه لم يفصح عنها ولم يقل أحد أنه يعرفه أو شاهده في مكان آخر .. لكن كيف وصل لهذه البلدة الريفية الصغيرة .. هل هو سوداني أيضا لا احد يعرف لان هنالك سحنات أفريقية كثيرة تشبه السودانيون بل كل سكان القرن الافريقي يكادوا يتشابهون لاتفرقهم الا اللهجات واللكنات .
حجر تعال وصل للحاجة دي شوال الفحم .. مهمة جديدة انبرى لها بكل همة وجديه بل اثار دهشة الحضور وهو يضع جوال الفحم في كتفه كأنه يحمل وسادة أو بطانية .. هز الحضور رؤوسهم وهم يسبحون الله على شؤونه في خلقه .. في بيت الحاجة حسنة التي أوصل لها جوال الفحم . ترجته وقدمت له مائدة فطور دسمة .. التهمها بنفس السهولة والسرعة التي حمل بها الشوال .. وترجته ليشرب الشاي لكنه همهم بعبارة ( حجر عنده شغل كثير ) منذ قدومه أول مرة يرفض تناول مأكول أو مشروب . عاد الى الدكان وأصبحت له وظيفة جديدة .. دست له الحاجة مبلغا في يده دساه في جيبه دون أن يحسبه .. وعاد الى عمله الآخر .. لا يجلس أو ينتظر فهو في همة ونشاط دائما حتى لو لم يؤتى أمرا بعمل جديد . دائما هنالك أشياء تحتاج لترتيب أو تنظيف .. عبد الله صاحب الدكان سعيد به أيما سعادة .هذا المخلوق الذي جعل بيئته ابهى في ظرف اليومين أو الثلاثة أيام التي قضاها معهم . لم يفكر أحد بأنه ربما كان يدفن نفسه في العمل الشاق ليشغلها عن التفكير في مشكلة ما .. بل لم يعتقد أحد أنه يفكر مثل البشر .. أصبحت عبارة حجر تعال وصل الشئ الفلاني لفلان .. تعني له أمر عمل جديد .. وغالبا ما يتلقى مقابله وجبة وحفنة من المال يدسها في جيبه .. ويعود ..
بل أصبح أهل الحي يتبارون في تقديم الطعام له . .منذ أن حل عليهم لم ترمى نعمة على الارض .. وأصبحت عبارات في البيوت تتداول من نوع ( يا أمي ملاح البامية دا ريحته أتغيرت .. سخنيه وأديه لحجر .. والكسرة ما ترموها أدوها لحجر .. كيكتك الحرقانة دي ما في زول بياكلها ليك الا حجر .. وفعلا يفعل ..) كلما زاد جهده زاد أطعماهم له وزاد جسمه ضخامة .. أكل كل شئ صالحا أو غير صالح للأكل ومن دهشة الجميع لم يبدو عليه أي أثر لتسمم أو مرض .. بل بعضهم حاول يجاريه ويأكل معه كاد أن يموت من شدة التسمم .. يا جماعة دا زول الله ربنا بيحميه قايلنوا زينا .. راجل متوكل على الله .. عبارات عبد الله التي يطلقها لتبرير هذه الظاهره كانت مرضية أكثر من كونها مقنعة . مرضية لانهم قوم يؤمنون بالله تماما ايمانا فطرية لا يشوبه أي شك ولا يحتاجون لدليل أو اختبارات عملية .. كونه أنه ما يأكله حجر يسممهم هم ولا يؤذيه بفتله كافية جدا للايمان بهذا السر العجيب .
بل شباب الحارة أصبحوا يتباهون به مع اقرانهم في الاحياء الاخرى .,كم من مرة أحضروا صينية حلوى ( باسطة ) في حضور زملائهم وكم كانت دهشتهم بعد ما يتناولها حجر كلها بل ويشرب العسل المتبقى .. يتجأشا كما (التراكتور) المركون عندما يتم تشغليه .. ويضحك ضحكته المرعبة وهو يكشر عن اسنانه الفظيعة .
أعتاد حجر أن يفرش سريره أمام الدكان بعدما مده عبد اله واسرته بفرش وغطاء .. لكنه كان يفضل النوم مكشوفا وحتى في عز البرد .. و يصدر شخيره الذي كان كافيا لطرد كل من تسول له نفسه الاقتراب . ذات مساء ما وبعد ما قفل عبد الله دكانه كان هنالك صبية من الحي يتسامرون تحت ضوء القمر كما اعتاادوا .أحد الضيوف من مدينة أخرى كبيرة .رأى أن سمرهم ممل فهو يريد أثارة وقال لهم تعالوا نشاغل المجنون بتاع الدكان حتى ( يسكنا ) . وافقوه على مضض . جاؤوا عند حجر وهو يغط في نومه .. وضع هذا الشقي قطعة من القماش بين أصابع قدمه وأشعل فيها النيران .. وجلسوا من بعيد يراقبون وبعضهم مرعوبا ..أشتعلت النار حتى أقتربت من الاصابع .. وفي اللحظة الحاسمة .
وقف الصبيان الصغار يراقبون عمليتهم الشقية بعد أن وضعوا فتيلة القماش بين أصبعي قدم حاج حجر .. وجلسوا متوترين بمشاعر متباينة .. بين الضحك والخوف .. هذا الشخص لازال غامضا .. لا احد يستطيع أن يتنبأ بردة فعله .. الشئ الوحيد الذي عرفه أهل الحارة عنه هو قوته الخارقة وقدرته على التهام أي كمية من الطعام تقدم له . لم يسمعوا منه عبارة ( شبعت ) أبدا فهم يعرفون أن البحر لا يأبى الزيادة وكذلك هذا الحجر .
قلبوهم الصغيرة تكاد تطير من الخفقان والنار لازالت تسري في قطعة القماش نحو هدفها وهو قدم حجر . بعضهم ندم وحاول أن يلحق النار قبل أن تصل .. لكن الضيف الشقي مسكهم وهو كتشوق لنتيجة فعلته الشقية .
وصلت النار قرب الأصبعين .. والصغار تأهبوا للجري بل بعضهم جرى فعلا ووقف في زاوية اللفة ..
لكنهم هلعوا جميعا بعد أن صدر صوت صراخ ضخم أشبه بخوار الثور من حجر .. كادت قلبوهم تتوقف وأعقبها صوت صفقة ضخمة أطار ما بقى من صوابهم من حجر بعد أن خبط النار في قدمه فأطفأها بخبطة واحدة .. وأنقلب نحو صفحته الأخرى مواصلا نومه وشخيره .مثل ما يخبط الشخص العادي ناموسة وخزته دون أن يستيقظ ..
هذه الحركة لوحدها جعلت الصغار ينفضون , أذا كان هذا المخلوق أصابهم بكل هذا الفزع والخوف دون حتى أن يستيقظ من نومه فماذا كان سيفعل بهم إذا فاق من نومه
.. الضيف الشقي حاول تجميعهم من جديد ليفعل شيئا آخر لكنه هيهات .. بل طلب أحدهم منه أن لا يأتي ليسمر معهم ليلا كفاهم ما شاهدوه اليوم وعاشوه بسبب شقاوته وأصابهم بخوف لا يمكن يخرج عنهم في القريب العاجل . بل بعضهم صرح بأنه لن يأتي لهذا السمر بتاتا .
أصبح الصبح لم يحكي أي من الصغار لأهله عن موقف اليوم خوفا من العقاب ..أذ أعتقد الأهالي جازمين بأن حاج حجر هذا له حماية ربانية .بذا لا يعتقدون أن أحد سيتجرأ لإلحاق ألأذى به .
عادت دوامة الصباح لحجر أستيقظ مع أذان الفجر كالعادة .دخل ديوان حاج عبد الله لاستخدام الحمام .. عبد والله واولاده الكبار أعطوه بعض من ملابسهم القديمة .. الجلاليب والعراريق البلدية والسراويل .. غيرت من شكله كثيرا وأكسبته هيبة بعد النظافة .. لكنه لازال كث شعر الرأس واللحية .. والتي أصبحت مبرمة في شكل حزم ..أشبه بدراويش الطرق الصوفية .هدى له أحد أهل الحي مسبحة خشبية كبيرة أصبحت ملازمة له يلعقها في رقبته عندما يكون مشغولا .وألا باقي اليوم لا تفارق يده ويلازمها بحركة شفتيه تمتمة ربما تسبيحا أو استغفارا .
الحاجة أم حمد زوجة عبد الله فتحت له موضوعا جديدا لم يكن يخطر بباله قالت له الخريف على الأبواب وحجر لا يمكن ينام في الشارع والمطر تصب عليه كيف الحل ؟ وهي لن توافق أن ينام داخل الصالون مع أولادها .. رغما عن شكله الطيب وكل شئ لكنها لا زالت غير مطمئنة له .. وعبد الله أكيد لن يفتح له الدكان لينام بالداخل ..
أذا ما الحل .. يا حاجة خليها على الله .. دا راجل طيب و زول الله أكيد ربنا سيحلها له ولنا ..
الهاجس الذي زرعته أم حمد في رأس زوجها عبد الله خلق له هم فعلا .. الخريف على الأبواب . كلها بضعة أيام وستنهال عليهم المطر .. كيف الحال سيكون مع حاج حجر .. ليس من الإنسانية أو حتى الذوق أن يتركه ينام تحت زخات المطر .. بل أن أهل الحي سيلقون عليه لائمة كبيرة .. وخاصة بعد أن أصبح حجر يقدم له خدمات جليلة فقط مقابل إيوائه .. وحتى أطعامه أصبح واجبا لكل أهل الحي .. هذا سيجعلهم ينظرون اليه كشخص انتهازي استغلالي .. استغل طاقة هذا المسكين حتى دون أن يوفر له مسكنا آمنا .. سوى سرير يهجع اليه أمام الدكان بعد أن يقضي يومه الشاق .. صحيح هو لاحظ أن حجر أصبح له دخل لا يصرف منه شئ ..أذ أن مأكله وملبسه أصبح خارج إطار هذا الدخل .. وكما لاحظ أن المطر أصبح يستخدم حزاما به جيوب أشبه بالذي يستخدمه المعتمرون ..أكيد منحه له أحد أهل الحي ..فأصبح ملازما له يلبسه دوما ويدخر به دخله الضئيل .. والذي بالتأكيد ستراكم ويصبح مبلغا ضخما طالما أنه لا يصرف منه شيئا ..
مالك مهموم كدا يا حاج عبد الله لعله ما في عوجة .
جملة أطلقها الطاهر من أهل الحي وهو يدخل الدكان في ذات الصباح .. بعد ان لاحظ لسرحان عبد الله وهو حتى لم ينتبه لدخوله عليه .
- أبدا يا حاج الطاهر بس شايل هم حاج حجر دا حينوم وين لامن المطر تنزل .. الحاجة رافضة ينوم مع أولادها في الصالون قالت لسع ما شاعره بالامان من ناحيته .
- انا عندي فكرة خليه يجي ينوم عندنا في الصالون أصلا صالونا فاضي وأنت عارف انا ولادتي كلها بنات وما عندي ضيوف .
الفكرة هائلة التي اتحفه بها الطاهر . لكنها ولدت هاجسا جديدا خاف لو حجر أصبح ينام عند الطاهر في بيته تغير ولاؤه من عبد الله للطاهر ربما فلت منه الى الأبد .. وأصبح يشتغل عند الطاهر .. هؤلاء الدراويش عادة ينحازون الى صاحب الفضل الأكبر في حياتهم إذا عليه أن يرفض هذه الفكرة فورا دون أن يبين هذه المخاوف .
- أنا بقول عندي فكرة أحسن لانه نوع حجر دا ما متعود ينام داخل البيوت نحن أحسن نبني له راكوبة أو كشك قدام الدكان أهو يكون قدام محل شغله ( محاولا أن يوحي للطاهر بأن حجر أصبح موظفا عنده براتب ) .
- خلاص برضها فكره كويسة وأنا بساهم معاك عندي خشب أبواب وبابيك بعد ما غيرنا أبوابنا بأبواب حديدية ..
- - كثر خيرك وانا كمان عندي شعب ومروق والواح زنك في المخزن قاعدة من زمن غيرت عرش الدكان .
- خلاص فكرة ممكن يعمل راكوبة ويعرشها بالزنك حيكون في امان الله .
- خلاص خلينا نبدأ من اليوم ..
- طيب خليه يجي معاي عشان يجيب الخشب .
- ويبدأ عبد الله ينادي في حجر ... تعال يا حاج حجر تعال .. روح مع شيخ الطاهر أنقل معه خشب أبواب وشبابيك جيبها هنا .. خلاص روح يا الطاهر انا راح اخليه يلحقك بعد يشرب شاي الصباح . ( لانه يريد أن يخلي بحجر ويطرح له الفكرة حتى يحس بالحماس والاقبقال على العمل بهمة أكثر عندما يعرف أن هذه الأغراض تخصه شخصيا ليبني بها كوخا يأوية من المطر .)
- يا ولد قول لأمك تجيب الشاي لحجر في الدكان .
حجر جالس في السرير أمام عبد الله وهو يتناول شاي الصباح مع بضعة رغيفات كما أعتاد ..وكما أعتاد أيضا أن تخصص له الحاجة كباية كبيرة من التي يقدم بها العصير عادة يشرب بها اثنين أو ثلاثة مرات شاي الحليب حتى يخلص الإبريق تماما مع ثلاثة او أربع رغيفات قبل وجبة الافطار في الساعة العاشرة .
- يا حاج حجر المطر جايي أنت ما ممكن تنوم في المطر أنت روح جيب الخشب من الطاهر وشيل الزنك والمروق من زقاق البيت عشان تبني راكوبة هنا قدام الكان تنام فيها من المطر البرد .
نظر حجر فرحا أبتسامته البلهاء .. وقال : حجر عايز منشار ومسامير وشاكوش عشان يبني بيته .
- يا زول مسامير شنو هي راكوبة تربطها بالحبال وخلاص .
- لا حجر لازم يشتغل بالمسامير والمنشار حجر يعرف .
(ياخ أنت خسران شنو رسل ولدك السوق يجيب له مسامير وانا عندي عدة نجارة كاملة خليه يسوي بيته بالطريقة التي يعرفها) .. قاطعهم حاج الطاهر الذي عاد بعد أن انتظر حجر في بيته .
وافق عبد الله و نادى ولده أرسله للسوق ليحضر الخشب لحجر والذي تحت دهشتهم واستغرابهم أيضا طلب علبة غراء وعلبة سيلكون ابيض .
من أين يعرف هذه الأشياء وهو حسب فهمهم له ليس سوى درويش هائم لا يعرف الا القليل جدا عن الحياة العصرية وحتى غير العصرية .ز لكنهم آثروا الانتظار ووفروا دهشتهم للآخر .
بمساعدة أولاد حاج عبد الله وأصحابهم من ابناء الحي . نقلت الاخشاب من بيت حاج الطاهر والواح الزنك والاعمدة الخشبية من بيت عبد الله ورصت امام الدكان .. وحدد عبد الله لحجر المكان الذي قرر ان يبني فيه كوخه أو كشكه أو عريشته ايا كان المسمى في النهاية للبيت الذي سيأويه .. أستلم حجر عدة النجارة ومسكها يقلب فيها بنشوة وهو يوزع في ابتسامته الصفراء التي صبغت بلون أسنانه ..
تبرع له الشباب مقدمين خدماتهم لمساعدته .. وأيضا تحت دهشتهم أستخدم حجر متر القياس وبدأ يقيس ويحدد علامات على الالواح الخشبية بقلم الرصاص .. وحتى الزاوية القائمة المعدنية التي يستخدمها النجارون المحترفون استخدمها .. في حيرة جديدة أضيفت إلى لغزه في عقول هؤلاء الريفيين البسطاء .. من هذا الشخص .. حدد أربعة زوايا في الأرض وطلب من الشباب أن يقيموا عليها الحفر .. غرس فيها أربعة أعمدة من الخشب وصباها بالاسمنت ومن ثم على ارتفاع نصف متر ربط الأعمدة الأربعة بأعمدة أفقية جعلتها أشبه ب ( القريد بيم ) الذي يطبق في المباني الخرصانية . وثم كذلك ربط هذا البرواز من الداخل بأعمدة متقاطعة من مراين الخشب .. وفك خشب الأبواب وبدأ يغطي بها الفراغ بين الأخشاب ويثبتها بالمسامير .. يا عبد الله زولك دا مجنون ولا شنو عايز يسكن في بيت ارتفاعه نص متر أصلا هو أرنب ولا شنو ؟ جملة من جمل التهكم بدأت تصدر هنا وهناك .. يا جماعة سيبوه انتو مالكم خسرانين حاجة انا أديته الخشب وراضي باي حاجة يعملها . الجمهم عبد الله بهذه الجملة المحرجة التي جعلت بعض الفضوليين منهم ينصرفون ..
أما شباب الحي كانوا مبهورين ومستعدين لأي خدمة يطلبها منهم حجر .. وهم لم يخفوا إعجابهم وهو يستخدم معدات النجارة بكل براعة لم يشاهدوها حتى في أعرق نجاري الحارة المخضرمين .ما هذا الرجل من هو ؟..
( حجر عايز يقطع الخشبة دي من هنا ) هذه الجملة تجعلهم يتسابقون نحو تنفيذها .. رغم من أن أي منهم لم يفهم ماذا يريد أن يبني حجر .. ظهر لهم مبناه بعد أن أصبح أشبه بالطاولة المقلوبة أرجلها الى أعلى ..
خلص حجر الناحية الأرضية ومن ثم عمل نفس البرواز الأرضي في أعلي الأعمدة بدأ يقفل الجوانب بالخشب .. ترك بابا واحد وشباكين من ابواب الطاهر مثل ما هي لم يفككها كما الباقيات . والتي أتضح لهم فيما بعد أنه سيستخدمها مثل ما هي ..
تركها كما هي وعندما حان دورها ثبتها بالجوانب ومن الناحية الأمامية المواجهة للدكان ثبت الباب .. أصبح المبنى معالمه وضحت فهو عبارة عن غرفة خشبية مرتفعة من الأرض بمقدار نصف متر كامل .. وهذا الشئ الذي اثأر استغرابهم في البداية اذا افتكره البعض ان ما فرشه في ارتفاع نصف متر هو عرش الغرفة نفسه .. ما لم يعهدوه في بيوتهم أن تكون الأرضية مرتفعة عن سطح الأرض بمقدار نصف متر .. ونوع هذا المبنى ربما شاهدوه في الأفلام الأجنبية التي تدور أحداثها في مناطق المستنقعات .. كفيتنام وأمريكا الجنوبية والفلبين وغيرها من بلدان العالم .. هذا شئ أضاف من أرصدة الاستفهمات حيال هذا الرجل من أين أتى هذا الذي يعرف كل هذه الأشياء و لا يتقن التحدث في كلام مفيد مفهوم .
بدأ حجر في مرحلة السقف أنتبه الشباب أن العوارض العلوية وضعها في شكل مائل بزاوية واحدة فرش عليها ألواح الزنك وبدأ يثبتها ..أذ بدأ الزنك منحدرا ليسهل انسياب المطر ..
ظهر شكل الغرفة جميلا أدهشت عبد الله نفسه بعد أن خرج من دكانه ليشاهد المرحلة التي وصل لها العمل .. الرجل في خلال أربعة ساعات بنى غرفة خشبية جميلة سقفها بالزنك .. وركب لها الأبواب والمفصلات وأمام الباب عمل سلما خشبيا قصيرا .. أما الشباب من شدة إعجابهم بدأوا يصورن في هذا المبنى الغريب الذي نبت في غضون ساعات على ناصية حارتهم..
بقيت كمية من الأخشاب أدخلها حجر داخل الغرفة وقفل عليها الباب .. وجاء ناحية عبد الله وقال له : حجر عاوز يمشي السوق يشتري أغراض لبيته ..
تبسم عبد الله ونادى على ابنه : تعال يا خالد أمشي مع عمك حجر بالعربية عاوز يشتري أغراض لبيته .. حاول عبد الله أن يمده بمبلغ من المال لكنه رفض وقال : حجر عنده مال كفاية ..
ذهب حاج حجر مع خالد بن عبد الله صاحب الدكان بسيارته ليحضر إغراض لكوخه العجيب .. لا يعرف أحد ماذا تكون .. ولا يستطيع أحد أن يخمن .. بل في اعتقادهم أن البيت الذي بناه أمامه كفاهم إعجازا ودهشة . مواد أولية قديمة لأبواب وشبابيك وعرش قديم صنع منها هذه التحفة المعمارية الصغيرة .. ورغم ذلك ذهب الى السوق ليحضر أشياء لا يدرون ماذا تكون .. هم كان عشمهم أن يعمل راكوبة كما عهدوها في بيئتهم تقيه حر الشمس على أن يجتهدوا معه فيها لتقيه كذلك المطر وهم أهل البيئة الذي يعون أن الراكوبة لا تشكر في الخريف ولا تستر ساكنها من برد الشتاء .
أصبحوا دون وعي أو اتفاق متجمعين حول السكن تجمعهم الدهشة ويوحدهم الفضول ..
- أنت زولك دا الظاهر عليه ماهو هين يا عبد الله ؟ ابتدر الصمت حاج عثمان النجار المخضرم وهو يلف ويدور حول الكوخ .
- أها رأيك شنو يا حاج عثمان في شغل الزول دا .. أظنه الراجل دا كان فتح ورشة نجاره انت علا كان تشوف لك زراعة ولا شغلة تانية تاكل منها عيش . سخرية خضر الجزار أثارت موجة من ضحك الحضور .. وغيظ عم عثمان الذي قال متفشيا : هي كان وقفت على النجارة ما هينة الله يستر من الجايي .( تلميح خبيث ) تصدى له عبد الله بطبيعة الحال باعتباره أصبح كفيل حاج حجر و المدافع عنه دوما ..قال ( تقصد شنو يا حاج عثمان الجايي حا يكون شنو وخايف منه ).
- لا بس انا قلت الزول الاديناه مواد يعمل راكوبة عمل الكشك الجميل دا .. يعني كان أديناه مواد بنا كان عمل قصر ولا كيف يا جماعة ؟
- يا جماعة خلاص اسكتوا أهو الجماعة وصلوا يا هو حاج حجر وصل مع خالد . والبوكس مليان مواد ..
وفعلا وصلت السيارة . ونزل منها حجر وخالد ومعهم شباب الحي وبدأوا ينزلون المواد التي اشتراها حجر .. بعضها علب طلاء وعلب معجون خشبي وأوراق جلخ الخشب ( سنفرة) ومواد كهرباء وأسلاك كهربائية ومفاتيح نور ومروحة جدارية دوارة .. وعلب لم يعرفوا ما بها .. ومضخة سليكون وكذا صباع من السليكون الأبيض والأسود ..وقفل باب بمفتاح وكوالين صغيرة من تلك التي تركب للدواليب والأدراج
القي عليهم حجر السلام وبدأ خالد وأصحابه من الشباب ينزلون في المواد .
وعاد خضر مع الشباب للعمل مع الشباب على كوخه ..كان الشباب متحمسين ومستمتعين بالعمل معه .. إذ أرشدهم في أن يقفلوا الفتحات الصغيرة والشقوق في جدران الكوخ بالمعجون الخشبي مستخدمين سكين المعجون التي شرح لهم طريقة استخدامها .. ومن ثم بدأت عملية السنفرة والتلميع .. وبعدها بدأت عملية الطلاء . إذ أختار اللون البني الغامق لكل الكوخ ثم عمل شكل برواز أبيض لأعمدة الأركان وكذلك الباب والشبابيك طلاها باللون الأبيض .. ومن ثم بصحبة خالد صعدوا في سطح الكوخ من الأعلى وبدأ يعلم خالد كيف يغلق فتحان لوح الزنك بمادة السيلكون السوداء .. ثم دخل أيضا بمساعدة خالد الى داخل الكوخ وبدأ في تثبيت أسلاك الكهرباء .. و ركب اللمبات ومفتاحها وثبت المروحة في الركن من الداخل وعمل لها مقبس خاص مدد سلك طويل خارج الكوخ .. وطلب من عبد الله أن يسمح له بتوصيل الكهرباء من الدكان . عبد الله أخرسته الدهشة وغلبه الكلام وبدأ يتجاوب بإيماءات من رأسه فقط ..
وصل حجر الكهرباء الى كوخه ونورت اللمبات فعلا واشتغلت المروحة .. وكل ذلك تم تحت فرح وسعادة الصغار والشباب وصمت الكبار المريب الذي أصبح يحمل نوايا لا تحمد عقباها .. خافوا فعلا من شبح هذا الرجل الغريب .. الذي ظنوه درويشا يستجدي لقمة العيش لكن الآن فقط أثار مخاوفهم تماما .والذي يبدو أن ما خفي أعظم .
وفعلا ما خفي أعظم .. لان حجر بعد ما أنار الكوخ وطمأن الى عزله المائي بدأ في مرحلة الداخل أذ طلب من خالد وأحد أصدقائه مساعدته .واستخرج لفافات من الورق كلهم كان يقتلهم الفضول ليعرفوا فيما تستخدم .أذ أتضح أنها أوراق حائط .. فتحها حجر وبدأ طلاءها بمادة الغراء وتلصيقها على الجدران من الداخل .. وكانت الأوراق في شكل لوحة طبيعية تشبه المناظر التي تؤخذ من جزر الكاريبي أذ تكثر بها مناظر نخيل جوز الهند والسواحل الرملية البيضاء والخضرة النضرة ..أصبح منظر الغرفة من الداخل كأنها لقطة من أحد شواطئ جزر الكناري أو هاييتي أو أندونسيا ..مع أضاءة’ لمبات النيون البيضاء .أصبح العالم في الداخل مختلف تماما عن بيئة القرية أو الحارة التي يعيشون بها .
خلال يوم واحد أصبح بيت حجر رمزا للدهشة والحوار داخل الحارة ..( أنتو ما شفتوا بيت حجر ..أرحكم نشوف بيت حجر )
( معقولة الزول دا هو الكان يجي يكسر لينا الحطب في البيت ؟)

(انا من زمان قلت ليكم الزول دا ما ارتحت ليه الظاهر وراه سر كبير )
لسع في خشب كثير لماه حجر قدام بيته يا رب حا يعمل بيه شنو كمان ؟؟

(انا خايف يعمل بيه عربية ؟)

( هاهاهاهاها الله يجازي محنك يا عم عثمان )
قضي حاج حجر بصحبة شباب الحي خالد وأصحابه طيلة نهار اليوم وحتى قرابة المغرب يعملون بجد ونشاط وملبيين أوامر معجزتهم حاج حجر .. غير مخفيين إجابهم بعبقريته .. فهو تجسيد عملي للمثل الشعبي الذي يقول ( يصنع من الفسيخ شربات) ..وهو كذلك أصبح يتعامل معهم بكل اريحية يناديهم باساميهم كأنهم أبنائه أو تلاميذه بصورة أدق ..( تعال يا حسام أقطع الخشبة دي من هنا . يا خالد أرفع معاي .. وهكذا ) معقولة أبواب حمامات قديمة وشبابيك غرف استطاع أن يبني بها هذه التحفة الرائعة . ولم يكتفي حجر بالبيت فقط أذ أن باقي الاخشاب حولها لاثاث . صنع منها دولاب قصير بقفل أشبه بدواليب المطبخ كذلك صنع سريرا مثبت بمفصلات على الجدار بحيث يمكن طيه وتعليقه في الحائط وكذلك صنع مقعدا عاليا اشبه بالذي يستخدم في المعامل ( ستاند ) وكذلك فرش ارضية الغرفة بمشمع أخضر تكامل مع اللوحات الجدارية .. الشباب تعبيرا عن اعجابهم أخذوا الصور التذكارية معه من داخل الكوخ وبجواره و من كل الزوايا . أصبحت المشاعر متباينة تجاه حاج حجر من أهل الحي حسب الفئات السنية . شباب الحي يقابلونه بالاعجاب والانبهار بل كاد أن يصبح ملهمهم وزارع الأمل في نفوسهم .. الاطفال الصغار لا زالوا يخافونه بعد مغامرتهم الشريرة .. بل كانوا يتفادون الأقتراب منه عساه قد شاهدهم وحفظ أشكالهم . وقد زاد رعبهم بعد أن شاهدوا هذه الغرفة الخشبية التي نبتت كأجمل ما يكون في ناصية الحارة وفي غضون ساعات قليلة .. هذه لن يفعلها الا من كان في معاونته جن أو شياطين ..والعياذ بالله .. نظرة الأطفال لا تختلف كثيرا عن نظرة أمهاتهم النساء أذ أن شبح الدجل والشعوذة تمدد في نفوسهن وبدأ بعضهن يضيف قصص وهمية تحلي قعدة القهوة . من نوع ( شوف عيني يومداك شايفاه راجع من الجامع بالليل وفي نور ماشي جمبه وكان بيتحدث معاه بس شافني طوالي سكت .)
أما فئة الرجال أي الآباء أهل الحي نبدأها بهذا المشهد من منزل الاستاذ أسماعيل استاذ اللغة الانجليزية ذو الميول الاشتراكية التي تقربه من الالحاد .. وقد كان رافضا فكرة وجود حجر في الحي من اساسها ظانا انه دجال مشعوذ ارسلته فئة ضالة لتزيد أهل الحي ضلالا على ضلالهم كما زعم .
هيثم ولد اسماعيل جا قال يا امي ( والله يومداك شفت حاج حجر بيقرا في جريدة انجليزية ويضحك ) .. هي يا ولدي بسم الله دا راجل درويش ساي من أهل الهن عرفه شنو بالقراية كمان ؟ تلاقيه بيقلد الناس زي ما حمودي اخوك بيحاكيكم يشيل كتبكم ويعمل فيها بيقرا هاهاهاها . قاطعها اسماعيل :( أهل الله ومال نحن أهل منو .. انتو أصلا ما في شي مضيعكم غير جهلكم وتخلفكم دا ؟)
يا راجل هسع أنت مالك شابي لينا في حلقنا هسع انا قلت شنو زعلك .أنت قلت الراجل الدرويش دا ما يدخل بيتك .أها نحن من دون ناس الحلة لا جا نضف لينا ولا كسر لينا الحطب .. حتى الكلام دا عاوز تحرمنا منه .
أوفف خلاص قمتي لنقتك اها انا طالع مخلي ليك البيت دا ماشي أقعد في دكان عبد الله مع الناس . خرج اسماعيل وهو ليس لديه ادنى فكرة عن بيت حجر الجديد .
تحرك أستاذ اسماعيل ناحية دكان عبد الله حيث الجلسة العصرية المعتادة قبيل المغرب . كما ذكرنا كان عنده فكرة رافضة تماما للالقاب والصفات التي أطلقها أهل الحارة على حاج حجر من صلاح وكرامات وغيرها .. وبخلفيته التي هي أقرب للالحاد كان ينتقدهم . يقول لهم هو لو زول مجنون محله مصحة الأمراض العقلية ما وسط الناس ويدخل بيوتهم كمان .. ولو زول عاقل مفروض يشتغل زي باقي الناس يعمل بيت وأسرة .. لكن كلكم تنكبوا دعم في الرجل لانكم رثيتوا لحاله فقط .. كان أهل الحي يقفون لاستاذ اسماعيل بالمرصاد دفاعا عن الغلبان حاج حجر .. بل كان ذلك الحديث يزيد حماسهم ودعمهم لحاج حجر .. وبدل ما كان يتصدقون عليه بفضلات طعامهم ..أصبحوا يطبخون له طبخات خاصة .. عادي تسمع (حاجة تتباهى مع قريناتها بأنها ذبحت زوج حمام وقدمته مع الشوربة لشيخ حجر .. وأخرى تقول الليلة أنا شديت فول في البيت عجبني أديت منه صحن لحجر )..
دخل أسماعيل والقى تحية كاملة الدسم على رجال الحي . لكن شعر بأنهم غير مكترثين بمقدمه وانما مشغولين بأمر ما . أذ كانوا يراقبون في حجر مع الشباب وهم يضعون اللمسات الاخيرة على بيته بتنظيف نشارة الخشب والأوساخ من حول الكوخ . تفاجأ اسماعيل ولم يصمت ( دا شنو دا كمان زولكم عملتوا ليه ضريح من هسع ؟؟) .. أنفجر بعض الرجال ضحكا .. لانه اسماعيل عبر عن حيرة وغيظ كان ينتابهم فكتموه خوفا واعتبارا لحاج عبد الله . الذي نظر الى اسماعيل بإستياء واضح . ورد له .
- القال ليك منه نحن عملناه ليه دا بناه براه بضراعة .
- شنو معقولة الزول الدرويش دا هو بنا التحفة دي ؟ وين لقى المواد دي ..اوعى تقولوا لي أحضرها له عفريت من الجن ؟
وأنفجر الحضور ضحكا مرة أخرى ..
عبد الله كذلك رد مدافعا : يا اخوي المواد الشايفها قدامك دي لو شفتها قبل ساعات ما تدفع فيها جنيه واحد .. دي ابواب حمامات وشبابيك قديمة بتاعة حاج الطاهر ولوح الزنك والمراين ديل انا كنت عارش بيهم الدكان زمان قبل ما يجو الحرامية ويقدو السقف . اها غيرتو وكنت راميه في المخزن .
جلس اسماعيل متحيرا مع المتحيرين وقال بصوت اشبه بالهمس : خلي بالكم الزول دا ما هين .. وراه سر كبير .. برضه تاني دخلوه بيوتكم . قال زول الله قال ..
عبد الله : ما له هسع تم في الحلة دي اكثر من ثلاثة شهور حصل أذى ليه واحد فيكم ..
أسماعيل : ما مهم يأذى زول لكن يمكن يكون جاسوس اسرائيلي في حالة خمول تام .
عبد الله : جاسوس اسرائيلي يجي حلتنا فيها مفاعل نووي ولا مصفى بترول كمان ؟.
يقطع حديثهم دخول الشاب خالد ابن عبد الله : أبوي عازين سكر وشاي ؟
- عايزنهم في البيت ؟
- لا عم حجر عنده براد كهربا وكبابي اشتراهم معاه وقال حا يعمل لينا شاي .
- دا الكلام .. خلي بالك دا مستهدف فئة الشباب .
- شنو مستهدف والكلام الكبار الجايي ترمينا بيه من جيت .
- يا خ كلامي ما عاجبكم طيب السلام عليكم .
ذهب استاذ اسماعيل لكنه خلف أثرا كبيرا في نفوس الحضور عكسه الطاهر صاحب المساعدة الاكبر ..
- عبد الله عايزين لنا شوال فحم ..
- خلاص بخلي حجر بعد ما يخلص يجيبو ليكم في البيت .
- لا لا لا يا اخوي حجر بتاع شنو يمين حجر بتاعك دا لو جا حايم بعند بيتي ساي علا اجيب له الشرطة .
- لا الجد شنو حجر دا ما كان نص النهار في بيتكم يكسر الحطب وينضف .
- ما دي المصيبة هنا المرة وبناتها حايمات جمبه بفساتينهن قايلاتنو درويش ساي .
- الطيب الاتغير شنو ما هو نفسه حجر .
- نفس حجر ؟ علي باليمين الاوضة البناها دي انا ما دخلت فيها وانا عريس جديد تقول لي هو حجر نفسه .
- ياخ الاوضة ما بنفس خشب حمامك الوسخان هو نظفه .
- ما دا المجنني ذاتو يا عبد الله ياخ . .خلاص انا بجيب العربية وارفع الفحم براي بس حجر بتاعك دا اختانا منه عليك الله .
خلق حاج حجر نوع من البلبلة نتجت من المشاعر المتباينة خاصة من كبار السن من الرجال أذ حدثت لهم ( عجينة ) من الاحاسيس اذا جاز الوصف تتكون من الشفقة زايد الخوف زايد الشك زايد الغيرة .. والغيره هذه تطور جديد .. بعد هذا الكوخ المعجزة أصبح حجر حديث نساء الحي بل تدريجيا كاد أن يتحول الى بطلهن بدلا عن شيخهن .. الذي كان لديه دوافع و رغبة في التخلص منه أصبحت موحدة في هدفها رغما عن انطلاقها من منطلقات مختلفة .. منهم من يدعي خوفه على عقيدة الشباب من الخرافة في الظاهر .. ومنهم من يدعي الوطنية و السياسة محاولا أن يظهر أن دافعه هو خوفه على البلد من الأعداء . كأن هؤلاء الاعداء لم يجدوا يدا توجع البلد يمسكوها منها سوى حارتهم هذه .
والغيره نفسها ظهرت بأثر رجعي إذ بدأوا يجترون المواقف ويشعلون بها قلوبهم . ( يا راجل الشجرة دي ما بتقدر تقطعها أنت تجيب ليك قطايع ووجع ظهر . نادي شيخ حجر يقطعها ليك ... أسمنت شنو ما قادر ترفعوا في راس المزيره شوف عيني دي حجر يطبقهم اتنين اتنين زي المخدات )
أوففففف زفرات حارة تنطلق هنا وهنا كأنهم فرقة عسكرية تعزف على آلات النفخ النحاسية ..
أسمع هنا يا عبد الله .
- نعم يا خضر خير .
- زولك دا تشوفلو صرفة من الحلة دي ..
- يا زول استغفر الله استهدى ربك ..
- ما تعمل فيها عايز تغلبنا بالله والدين خلاص المكنات دي بقت ما بتمشي فينا .
- طيب انتو قولو لي مبرر واحد ليه ما عايزنه في الحلة . الشاف عليه جريمة واحدة عملها يقولها لي انا قدامكم هسع دي اطرده من الحلة .
عاد الصمت من جديد ربما كل واحد حاول أن يضغط ذاكرته ربما لمحة مرة يغازل في أحد نساء الحي أو البنات او يتحرش بالصبيان أو يسرق أو يأكل من اناء خلصة طعام لم يقدم له .. لكن لم يفلح أي منهم .. وعادوا الى حيرتهم من جديد .
عاد كل واحد يحاسب نفسه محاولا أن يجد مبررا ..
أخيرا قال خضر ردا ربما اراح الجميع .
- على كل حال أنا ما عايزه يجيني في بيتي لاي سبب لا ترسل معاه فحم ولا حطب ولا أي شئ .
- وانا كمان وانا كمان .
عبد الله : خلاص خير أصلا انا شغلته معاي في الدكان هنا . انتو الجيتو سقتوه يساعدكم في بيوتكم .. وانا أقول ليكم حاجة وانا كمان ما راح أسمح ليه يروح عند أي واحد منكم حتى لو قدم له دعوة أو عمل عزومة .. يعني حتى مناسباتكم ما راح يجي فيها .
- تقصد شنو يعني نحن حانزعل كان شيخ حجر بتاعك دا ما جانا في مناسبايتنا ؟
- انا ما أقصد أي شئ المهم كرامة الراجل دا هي من كرامتي وانا خاويته واعتبروه أخوي من هسع قدامكم .
- يعني أنت ذاتك ما راح تجي مناسباتنا .
- لو عايزني ما أجي ما عندي مانع لكن لازم تعرفوا اليهين حجر دا يعتبر نفسه أهاني أنا .
- يا زول ما في زول سأله وانت مالك نفسك بقى حار كدا ياخ . ياخ نحن أهل .
- لا عشان نحسم المواضيع دي يا حاج عثمان أحسن نكون واضحين من هسع .
- يا عبد الله أنت قلت الزول دا ما عندك بيه علاقة و لا بتعرفه قبل كدا طيب متبالي بيه مالك .
- يا أخوانا انتو ما مسلمين راجل مسلم استاجر بي ما أجيره يعني ربنا ذاته في القرآن ما قال لو أحد من المؤمنين استجارك فأجره .. زول لا سرق لا ضرب لا زنا جانا مستغيث نقوم نطرده فقط عشان..أتضح أنه راجل نظيف وزكي وبيعرف حاجات نحن ما بنعرفها .. قبلناه لامن كان وسخان وسبهلل وفتحنا له بيوتنا لانه درويش ..أول ما اتضح انه انسان نظيف وجميل ويعرف الجمال وله قدرات هائلة وذكاء نخاف منه ونطرده ؟ مش هو دا منطقكم ؟ بدل ما نحاول نوظف قدراته دي ونستفيد منه في تدريب أولادنا العطالة ديل وما بعيد يمكن كمان يكون متعلم يعلمهم لينا وينور ليهم طريقهم . بدل التسكع في ظل الشجر ومعاكسة البنات في الشوارع ..
خطبة عبد الله العصماء قلبت الطاولة على رؤوسهم من جديد وكل واحد عاد يحاسب نفسه في صمت من جديد . وهم لا زالوا يشخصون أنظارهم ناحية الكوخ الباهر .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق